محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
297
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ليتحقّق التضادّ بين العالمين . وللّه تعالى بإزاء العالمين المتضادّين عالم في الوسط ، ودار هي دار الابتلاء والامتحان ، فيها أخيار وأشرار وأبرار وفجّار ، وعلوم وجهالات ، ومحاسن أخلاق ومقابح أخلاق ، قد بعث إليهم الرسل مبشّرين ومنذرين ، ووجّه عليهم التكاليف ليتميّز الطيّب من الخبيث بها ، ويتباين الخيّر عن الشرير بسببها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ . فالدار التي كان آدم أبو البشر فيها هي دار البشرية ، وهي ممزوجة من العالمين ، والدار التي للملائكة هي خالصة في جانب الخير ، والدار التي لإبليس هي خالصة من جانب الشرّ ؛ فذلك قوله : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وفي موضع آخر : اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فالمحبّة والعداوة حاصلتان في دار الابتلاء والامتحان ، ثمّ العداوة مع الأعداء دين ، كما أنّ المحبّة للأولياء دين ؛ فإنّ الدّين هو التبرّي والتولّي ، والدّين هو الحبّ في اللّه والبغض في اللّه ، ولذلك قال تعالى في صفة المؤمنين : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . ثمّ قوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إشارة إلى الحكم المفروغ ؛ فإنّ العداوة بين ذرّيّة آدم وذرّيّة إبليس ليس تنقطع ، وذلك أمر بالجوهر والطبع ، وقوله : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ إشارة إلى الحكم المستأنف ؛ فإنّ المشابهات والمشاركات بين الذرّيّتين في المستقرّ والمتاع لا تنقطع أيضا إلى يوم الفصل ، وذلك أمر بالشكل والصورة ، ولذلك قال - عزّ من قائل - : وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وكما كان بين آدم وحوّاء محبّة وازدواج كذلك كان بين إبليس والحيّة صحبة وازدواج ، وكان في التوراة اسم إبليس الحكيم والحيّة تسمّى حكيم الوادي ، وكان اللعين يشابه الاسمين العزيز الحكيم في العزّ والحكمة ، كان اسمه عزازيل في الأوّل والحكيم في الوسط وإبليس في الآخر ، واللّه أعلم . قوله - جلّ وعزّ - : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) النظم لمّا صدرت الزلّة من آدم - عليه السلام - وندم على ذلك متحيّرا في الأرض زمانا طويلا فتح